منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تعد الاستراتيجية الإسرائيلية تُدار بمنطق الردع التقليدي أو دبلوماسية الاحتواء، بل باتت تتمحور حول الهيمنة والاستنزاف وتصفية الخصوم، هذا التحول لم يكن مجرد ردّ فعلٍ آني على تداعيات "طوفان الأقصى"، بل مثّل خروجاً متطرفاً عن المسار الذي حكم السياسة الإسرائيلية لعقود!
يتصرّف الإسرائيليون اليوم، وكأنهم يخوضون حرباً أبدية، مهمتهم ليست إنهاؤها بل إدارتها ضمن شروطهم فقط، أما الحديث عن "عقدة الأمن" كمبرر وجودي دائم، فهو مجرد أداة تبريرية ذاتية، أكثر مما هو تشخيص موضوعي للتهديدات.
خلال العقود الثلاثة الأولى من قيام هذا الكيان، اعتمدت إسرائيل في علاقاتها مع الدول العربية المجاورة على اتفاقيات الهدنة، لم يكن السلام الكامل -عبر التنازلات- هدفاً، بل عبر استعراض القوة الذي يجعل خيار الحرب غير مرغوب فيه.
وفي حالتين بارزتين استُخدمت القوة للاستيلاء على أراضي العرب، أفضى هذا المنطق في النهاية إلى معاهدتي السلام مع مصر (1979)، بعد استعادة سيناء، والأردن (1994)، بعد استعادة مناطق "الغمر والباقورة ووادي عربة".
أما التحدي الفلسطيني، فلم يُنظر إليه كتهديد وجودي مباشر بقدر ما اعتُبر مصدراً لحشد الدعم العربي والدولي، عمل منطق الردع عبر الضغط على الدول العربية لمنع انطلاق عمليات مقاومة فلسطينية من أراضيها، وكانت لبنان نموذجاً لهذا الضغط الذي تحول الى احتلال الجنوب اللبناني والاصطدام بمنظومة سياسية هشة، ساهمت في اندلاع الحرب الأهلية.
حاولت إسرائيل دائما إيجاد "كيان قابل للردع"، كان اجتياح لبنان عام 1982 أقصى تعبير عن هذا الطموح، إذ افترض "شارون" -وزير الدفاع في حينه ورئيس وزراء لاحقاً- أن إخراج القيادة الفلسطينية من لبنان، سيؤدي إلى تصفية المقاومة والحقوق الفلسطينية! أسفر المشروع عن نتائج عكسية: استمرار احتلال الجنوب حتى عام 2000، وتكبّد خسائر بشرية ومادية ضخمة، وانتقال القيادة الفلسطينية إلى تونس، واندلاع الانتفاضة الأولى 1987، وبروز تنظيم "حزب الله" اللبناني 1985.
أعادت اتفاقيات أوسلو صياغة المنطق نفسه بشكل أكثر تعقيداً: إنشاء سلطة فلسطينية قابلة للضغط والتنسيق الأمني، وحتى حماس بعد 2007 عوملت لفترات طويلة كجهة يمكن ردعها وإدارتها عبر حروب دورية وهدن مصرية، لا كشريك سلام!
لكن هجوم "طوفان الأقصى" حطّم الثقة في نموذجي الاحتواء والردع، فلم يعد الهدف استعادة الردع فحسب، بل ضمان ألا تتمكّن المقاومة نفسها من العودة مرة أخرى، كقوة سياسية أو عسكرية، كما أصبحت الدبلوماسية الإقليمية هامشية، وتُؤجَّل من وقت إلى آخر، بينما تُدار علاقة الكيان مع الولايات المتحدة بعناية دقيقة.
وفي سورية، تجاوزت إسرائيل هدف تهدئة الحدود إلى دخول المنطقة، منزوعة السلاح منذ عام 1974، فاستهدفت الأصول العسكرية، وتدخلت، بشكل أو بآخر، في التوازنات الطائفية الداخلية، بهدف منع تشكل أي نظام سوري متماسك، مُتفق عليه داخلياً وإقليمياً!
في لبنان، لم يعد الهدف إعادة تشكيل أو ضبط سلوك "حزب الله"، بقدر ما هو إضعاف قدراته بشكل كامل، وعزله عن الساحات الحاضنة له في الداخل والخارج، خاصة إيران، ومنع تعافي الدولة اللبنانية، رغم ادعاء الكيان، بالتحالف مع الولايات المتحدة، دعمه لمشروع سيطرة الدولة اللبنانية على الأرض والسلاح ونزع قدرات حزب الله، لكن ما يجري اليوم هو العكس، فالدولة والدبلوماسية -في لبنان- أصبحتا من الضحايا لا من أدوات الحل!
التحوّل في النهج الراديكالي الإسرائيلي، ليس صفة شخصية محضة مرتبطة بشخص "نتنياهو"، رغم وجاهة هذا الطرح شكلياً، في ظل هوسه الانتخابي وهوسه بالقضاء على إيران وحلفائها في المنطقة، لكنه بالحقيقة يمثل سياسات الدولة اليهودية بعنصريتها التي يمثلها حزب الليكود منذ سيطرته على المشهد السياسي عام 1996، إنه تبدّل في السياسات أكثر مما هو تبدل في الشخصيات.
لطالما استخدمت إسرائيل مقولة "التهديد الوجودي" و"عقدة الأمن" لتبرير سياساتها، لكن معطيات الماضي ووقائعه كشفت أن التحدي الفلسطيني التاريخي لم يكن وجودياً بالمعنى العسكري، بل سياسياً وديموغرافياً وإعلامياً، أما اليوم، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة تحول الحرب نفسها إلى الترتيب السياسي الدائم، لم تعد الحرب أداة لإرساء استقرار، بل أصبحت هي الاستقرار المفترض ضد الأعداء على قاعدة: استنزاف مستمر، ثم إنهاك دائم، وهيمنة عسكرية واستخباراتية مطلقة.
وتُظهر إسرائيل في هذا الإطار قوة عسكرية استثنائية وقدرات استخباراتية لافتة وحرية حركة كبيرة، لكنها تبني منطقة بلا أفق سياسي واضح، حيث تُدير الحروب والنزاعات دون قدرة على الحسم، وتُشعل الصراعات الإقليمية دون قدرة على الصمود طويلاً، كما جرى في الحرب مع إيران، حيث تركت واشنطن لوحدها في نزاع مفتوح مع طهران! فالحرب الأبدية، أصبحت في العقل الإسرائيلي خياراً استراتيجياً مرتبطاً بالحليف الأميركي، ويُقدّم على حساب أي تسوية سياسية شاملة، وحتى لو تعارض مع مصالح الولايات المتحدة والغرب!
يكشف المسار الممتد من الهدنات إلى أوسلو إلى ما بعد أكتوبر 2023، أن إسرائيل انتقلت من منطق "الردع القابل للتفاوض" إلى منطق "الهيمنة غير القابلة للتفاوض"، النجاح التكتيكي والعسكري قائم وممكن في جوانب عدة، لكن الثمن الاستراتيجي هو استنزاف قدراتها وفقدان هيبتها الدولية وعزلتها العالمية، والأخطر خلق منطقة تُدار بالحرب الدائمة، وتفريغ الدبلوماسية من مضمونها، وتحويل الأمن من غاية إنسانية منشودة لحماية الشرق الأوسط، إلى ذريعة إسرائيلية منبوذة، لفرض واقع التهديد والتوتّر وعدم الاستقرار وإفشال أي ترتيب سياسي مقبل!
في المحصلة، لا تبدو إسرائيل اليوم أمام معضلة أمنية تبحث عن حل، بقدر ما تبدو أمام نموذج أمني جعل من المعضلة نفسها ضرورة لاستمراره، فحين يصبح التهديد شرطاً لبقاء العقيدة، والحرب وسيلة لإعادة إنتاج الردع، والعدو الدائم مبرراً للهيمنة، فإن "عقدة الأمن" لا تعود تفسيراً للخوف الإسرائيلي، بل تتحول إلى أداة لإنتاج الخوف في الإقليم بأسره!
وهنا المفارقة الكبرى: كلما ازدادت إسرائيل قوةً عسكرياً، لم يزد أمنها بالضرورة، بل اتسعت دائرة الصراع من حولها، فالانتصار في معركة لا يصنع بالضرورة استقراراً، وتدمير عدوها لا يعني إنهاء التهديد، والهيمنة بالقوة قد تؤجل التسوية لكنها لا تلغي أسباب الصراع.
وما لم يتحول التفوق العسكري إلى رؤية سياسية قادرة على إنتاج ترتيبات إقليمية عادلة وقابلة للاستمرار، فإن القوة ستظل تدور في حلقة مفرغة: حربٌ تُنتج عدواً، وعدوٌ يُنتج حرباً، وحربٌ تُنتج الحاجةً إلى مزيد من القوة!
وأخطر ما في التحول الاستراتيجي الإسرائيلي، ليس أن هذا الكيان باتت أكثر استعداداً للحرب، وإنما أن الحرب نفسها بدأت تتحول إلى عقيدة سياسية، وعندما تصبح الحرب غايةً لا وسيلةً، يصبح السلام تهديداً لمنظومة المصالح التي نشأت حول الحرب، وتصبح كل محاولة لإعادة بناء الإقليم سياسياً موضع مقاومة من القوى التي اعتادت إدارة المنطقة بمنطق القوة والردع والاستنزاف!
قد تستطيع إسرائيل أن تكسب جولات عسكرية، وأن تُلحق خسائر فادحة بكل من يعاديها، وأن تحافظ زمناً على تفوقها النوعي؛ لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تفرض نهايةً للتاريخ، ولا أن تصنع شرعيةً دائمة من "فائض القوة"
فالحروب قد تُرسم لها بدايات مصطنعة، وقد تُسجل فيها انتصارات وهمية؛ لكن الحرب الأبدية تبددُّ من قوتها، ومن شرعية من يبررّها، ومن أمن من جعلها عقيدته المقدسة!