قبل أيام، قررّ وزير المالية الإسرائيلي المتطرف "سموتريتش" إلغاء الترتيبات الإدارية المتعلقة بما يسمى "بروتوكول الخليل" لعام 1997م، الذي ينظّم- منذ ثلاثة عقود- آليات الانتشار العسكري في مدينة الخليل، وبموجبه كانت (80%) من مساحة المدينة تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الفلسطينية، لكن الاحتلال -كعادته- ينقلب على كل الاتفاقات ويفرض وقائع جديدة بهدف تهيئة الظروف القانونية والسياسية لضم الضفة الغربية!
كما صادقت حكومة الاحتلال مطلع عام 2026 على إجراءات تتعلق بتسجيل أراضي المنطقة "ج" التي تشكل أكثر من (61%) من مساحة الضفة الغربية، وتصنيفها "أراضي دولة"، ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي وإقامة مئات البؤر الاستيطانية، ما يعني تآكل منهجي مستمر للملكية الفلسطينية للأرض التي تراجعت من (82%) داخل فلسطين التاريخية عام 1948 إلى أقل من (4%) اليوم!
وتعكس هذه السياسات صورة واقعية للإدراك الإسرائيلي حول الظروف الإقليمية التي غيّرت موازين القوى على الأرض، وانحصرت معها ردود الفعل العربية والإسلامية تجاه سياسة "الجنون والهاوية" التي ينتهجها اليمين المتطرف في "تل أبيب" منذ أكتوبر 2023، بحيث أصبحت البيئة الفلسطينية أكثر قابلية لمشاريع التوسعة والاستيطان، خاصة بعد تقييد حرية الحركة الإسرائيلية في لبنان وسوريا، ما فتح المجال أمام الاحتلال لفرض استراتيجية جديدة، بدأت باستباحة الأرض والإنسان والاستيطان ثم إلغاء اتفاق الخليل، وسط قناعة فلسطينية تامة بأن هذه الخطوة تمهّد الطرق للتنصّل التدريجي من كافة التزامات أوسلو!
وإن كان التراجع عن ترتيبات "اتفاق الخليل"، يعكس حجم النفوذ والتغول الإسرائيلي، فانه يعكس أيضا حجم العجز والضعف الذي أصاب السلطة الفلسطينية التي أصبحت عاجزة تماماً عن الدفاع عن مصالحها وحماية الشعب الفلسطيني ومكتسباته الوطنية، وهنا نتحدث بصراحة عن الشرعية والمكانة والدور.
فالنظام السياسي التي تأسّس بموجب اتفاق أوسلو عام 1994م في هيئة سلطة وطنية جامعة ممثلة للشعب الفلسطيني برمته، يُعاني؛ منذ وفاة مؤسسه "ياسر عرفات"؛ من فقدان الهوية الوطنية التي تحمي مشروع الدولة من الانقسام والتشتت، بسبب النزاع الفصائلي، كما فقدَ بوصلة الدور والمكانة التي حظي بها، عربياً ودولياً، كمشروع نضال وتحررّ، فانخفض زخم الدعم السياسي والشعبي للسلطة، داخلياً وخارجياً، وعجزت عن تثبت شرعيتها وشرعية مؤسساتها، في ظل أحكام عرفية عصفت بالتجربة الانتخابية ومشاريع الإصلاح التي كانت تحمل أمل التغيير وتجديد الشرعية.
وفي ظل تصاعد الضغوط الإسرائيلية وتراجع قدراتها السياسية والمالية والمؤسسية، تشهد السلطة الفلسطينية اليوم أخطر مرحلة تتعلق بسؤالي الوجود والاستمرار، فقد فشلت في تحقيق الهدف الأسمى من وجودها ونشأتها، وهو قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والأخطر أن استمرار بقاء السلطة على وضعها، يحولها لجهاز وظيفي يخدم سياسات الاحتلال أكثر مما يخدم الشعب الفلسطيني!
وقد تجسّد هذا النهج منذ العدوان على غزة 2023م، فقد ظلّ الاحتلال يعززّ وجوده العسكري في الضفة، في الوقت الذي يتعزز فيه الانقسام الفصائلي والشعبي! ما أدخل النظام السياسي الفلسطيني في أزمة استحقاق وجودي، تضاف إلى ما تعانيه السلطة من أزمات اقتصادية وقانونية وسياسية.
وبعد طوفان الأقصى، الذي شكّل هزة في كيان الاحتلال، ظلت السلطة الفلسطينية تحتكر الشرعية، وتؤكد أن ما قامت به حماس هو تجاوز للسلطة الوطنية وتوريط للشعب الفلسطيني، وأنها ملتزمة بمسار السلام واتفاق أوسلو الذي أُفرغ مضمونه خلال سنوات من توقيعه، وليس بعد الطوفان!
كما ازداد مستوى التنسيق الأمني مع الاحتلال فقط في مسار مطاردة المقاومة، وحتى أراضي الضفة الغربية التي كانت تسيطر عليها السلطة في حينه -أقل من (20%)- أصبحت تحت سيطرة الاحتلال، بعد مصادرة الأراضي وتدمير البنى التحتية، وجملة إجراءات تقييدية لسلطة رام الله، حولتها لمجرد أداة سلطوية للاحتلال!
لقد تبنّت الحكومة الإسرائيلية، الأكثر تطرفاً في تاريخ الاحتلال، سياسات عدوانية عنيفة تجاه غزة والضفة الغربية، وأعلن رئيسها مراراً، إنهاء حلّ الدولتين وتهديده بتفكيك مؤسسات السلطة، وتحويل الضفة إلى "كانتونات قروية"، لتمزيق أواصر أراضي الضفة ووحدة الشعب الفلسطيني، فضلا عن اعداد خطط معلنة وسياسات رسمية لضم الضفة والقطاع وتهجير الشعب الفلسطيني.
إن حالة الانقسام التي تعيشها فلسطين منذ 2007، وغياب حلول ملموسة من جانب سلطة رام الله لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وتشكيل قيادة فلسطينية جديدة، رهنت مستقبل السلطة الفلسطينية في ثلاثة مسارات محتملة لا غير: الأسوأ منها هو سيناريو الانهيار تحت وطأة الضغوط الإسرائيلية العنيفة، أو سيناريو الإقدام على حل نفسها وقلب الطاولة على العملية السياسية برمتها، أو سيناريو مصالحة وطنية جادة تُعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني وتجددّ شرعية النظام السياسي وتوحيد مؤسساته.
وعليه، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى مقاربة فلسطينية جديدة تقوم على إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الوطني الأول للشعب الفلسطيني، وتجديد شرعية السلطة ومؤسساتها عبر آليات ديمقراطية تجمع وحدة الصف وتتجاوز حالة الانقسام.
لكن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني مرهون، أيضاً، بتوافر مظلة عربية ودولية حقيقية، تُسانده في الحفاظ على مقومات المشروع الوطني في مواجهة محاولات التآكل والتهميش أو مشاريع التصفية وسيناريوهات التهجير.
وختاماً.. يبرز سؤال مصيري جدلي حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وسبل وآليات إعادة الحياة للمشروع الوطني الفلسطيني الجامع في ضوء: الانقسام الداخلي والعدوان الإسرائيلي والصمت العربي!