لا يبدو التاريخ العربي الإسلامي، عند التأمل العميق، سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل مساراً متصلاً تتشابك حلقاته عبر الزمن، بحيث تنتج كل مرحلة شروط المرحلة التي تليها.. وفي كثير من الأحيان، لا تكون التحولات الكبرى وليدة لحظة مفاجئة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الانقسامات وسوء التقدير والتحالفات قصيرة الأمد التي تتجاوز حسابات المصلحة الاستراتيجية بعيدة المدى.

هذا النمط يمكن رصده بوضوح عند النظر إلى التحولات التي أعقبت سقوط بغداد عام 2003، كما يمكن تتبعه في واحدة من أهم محطات التاريخ الإسلامي، وهي سقوط دولة خوارزم ثم بغداد في القرن الثالث عشر.

شكّل إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين لحظة مفصلية في بنية الإقليم، لم يكن الحدث تغييراً سياسياً داخلياً فحسب، بل فتح الباب لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، ومع مرور السنوات، تتابعت التحولات التي انتهت بسقوط عدد من الأنظمة (ليبيا، تونس، مصر، اليمن، السودان، وأخيراً سوريا).

ورغم اختلاف السياقات الداخلية لكل دولة، فإن هذه التحولات جميعها جرت داخل بيئة إقليمية أعادت صياغتها لحظة انهيار الدولة العراقية المركزية، بما أدى إلى تفكك التوازنات التقليدية وفتح المجال أمام موجات من عدم الاستقرار امتدت إلى دول أخرى.

هذا المشهد المعاصر يجد ما يشبهه في التجربة التاريخية لدولة خوارزم، ففي مطلع القرن الثالث عشر، كانت خوارزم قوة كبرى في العالم الإسلامي، تمتد عبر مناطق واسعة من آسيا الوسطى وإيران وأفغانستان.. غير أن التوتر السياسي بينها وبين الخلافة العباسية حول مسألة الشرعية والقيادة أسهم في خلق حالة من الانقسام داخل المجال الإسلامي الأوسع، وفي الوقت نفسه، كانت القوة المغولية الصاعدة بقيادة جنكيز خان تتقدم غرباً بثبات.

وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أنه عندما أدركت الخلافة العباسية تصاعد القوة المغولية القادمة من الشرق، فإنها لم تتجه إلى بناء جبهة موحدة في مواجهة الخطر الخارجي، بل دخلت في حسابات الصراع الداخلي على الشرعية في صلب القرار السياسي.

 فبحسب هذه الروايات، جرى تحريض المغول على مهاجمة سلطنة خوارزم، في خطوة يمكن فهمها بوصفها محاولة لحماية مركز السلطة في بغداد عبر إضعاف منافس إسلامي في آسيا الوسطى.. كان هذا المنطق يعكس رؤية قصيرة المدى، إذ جرى عملياً منح قوة خارجية (همجيّة) صاعدة دوراً في إعادة تشكيل التوازن داخل العالم الإسلامي ذاته!

نتج عن الهجوم المغولي على خوارزم دمار واسع النطاق، شمل إحراق المدن وتخريب الحواضر الإسلامية الكبرى.. وتذكر المراجع التاريخية أن حجم الخسائر البشرية كان هائلاً بحيث تحولت خوارزم من قوة مركزية إلى فراغ استراتيجي مفتوح أمام التوسع المغولي. وهنا لم يكن سقوط خوارزم مجرد نهاية لدولة، بل إزالة للحاجز الذي كان يفصل المغول عن قلب العالم الإسلامي.

وتذهب بعض الروايات إلى أن رد الفعل في بغداد لم يعكس إدراكاً لخطورة التحول الاستراتيجي الذي وقع، إذ قيل إن مظاهر الاحتفال عمّت المدينة لعدة أيام ابتهاجاً بانهيار الدولة الخوارزمية، رغم أنها كانت جزءاً من المجال الإسلامي ذاته.

وبغض النظر عن دقة هذه الروايات، فإن دلالتها الرمزية تكشف عن تغلّب الحسابات السياسية الضيقة على الرؤية الاستراتيجية الأوسع، وهو ما سمح بانتصار ظرفي على خصم داخلي أن يتحول لاحقاً إلى انتصار للقوة التي كانت تستعد للتقدم نحو بغداد نفسها!

فبعد نحو أربعة عقود، تقدمت الجيوش المغولية بقيادة هولاكو خان نحو بغداد، حيث كان الخليفة المستعصم بالله يحكم في ظل إدراك متزايد لطبيعة التهديد القادم من الشرق، ومع ذلك، لم تُستثمر السنوات الفاصلة في بناء منظومة دفاعية قادرة على ردع الغزو أو تأخير تقدمه.. وعندما سقطت بغداد عام 1258م، لم يكن ذلك نتيجة التفوق العسكري المغولي، بل نتيجة تراكم طويل من الانقسام وضعف الاستعداد وغياب الرؤية الاستراتيجية الواحدة للأمة!


عند قراءة التجربتين معاً، لا يظهر تطابق في الأحداث بقدر ما يظهر تشابه في البنية التاريخية، ففي كلتا الحالتين، سبق التوسع الخارجي انهيار داخلي في التماسك السياسي، وفي كلتا الحالتين أيضاً، أدى سقوط طرف مركزي إلى فتح المجال أمام امتداد أوسع للأزمة.

وكما أن تدمير خوارزم أزال الحاجز الذي كان يحمي بغداد، فإن انهيار العراق في العصر الحديث أسهم في إعادة تشكيل المجال الإقليمي بطريقة جعلت دولاً أخرى أكثر عرضة للهزات السياسية.. (من سوريا إلى اليمن وإيران)، وفي الحالتين، لم يكن الخطر الخارجي وحده كافياً لإحداث التحول، بل تفاعل مع انقسامات داخلية سابقة مهدت الطريق لتداعيات لاحقة.

تبدو دلالة الحاضر امتداداً لمنطق التاريخ نفسه، فتداعيات الصمت العربي والإسلامي إزاء الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة، وما نجم عنها مؤخراً من إبادة غزة ثم استهداف رموز في بنية النظام الإيراني، خاصة المرشد الأعلى، يعيد إلى الواجهة المفارقة التاريخية ذاتها: أن التحالفات التي تُبنى في لحظة ما لتحقيق مكاسب ظرفية وضيقة، قد تتحول بعد عقود إلى جزء من سلسلة ارتدادات لا يمكن التحكم بمآلاتها!

إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من هذا التوازي التاريخي لا يتعلق بتكرار الوقائع ذاتها، بل بتكرار الأنماط، فعندما تتحول الصراعات الداخلية إلى أولوية تتجاوز إدراك التهديدات الكبرى، يصبح انهيار أحد الأطراف بداية لسلسلة من التحولات التي تتجاوز حدوده.

 وهكذا، لا يعيد التاريخ نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج منطقه، حيث تتفاعل الانقسامات والتحالفات الظرفية مع الضغوط الخارجية لتنتج مسارات طويلة الأثر تمتد عبر الزمن.. وما جرى ويجري اليوم يطرح السؤال ذاته الذي طرحه التاريخ مراراً:

 هل تنتهي حلقات الصراع عند عدو الأمس واليوم، أم تبدأ عنده دورة جديدة من إعادة تشكيل الإقليم؟

 

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق