في الأنظمة الديمقراطية التنافسية توجد مؤسسات مدنية مستقلة قادرة على فحص الراوية الحكومية واختبار سردية الساسة بالأدلة والوثائق، هذه مؤسسات تستطيع رفع تكلفة الكذب: صحافة مستقلة، قضاء، برلمان، معارضة، مجتمع مدني، انتخابات.. الخ، لكن لا يعني وجود الديمقراطية اختفاء الكذب، وإنما يعني أن هناك مؤسسات تستطيع كشفه وفرض كلفة عليه.

لكن عندما تكون وسائل الإعلام ضعيفة أو خاضعة للسلطة، ويكون القضاء غير مستقل، وتكون المعارضة محاصرة، ويصبح الناخب منقسماً على أسس متباينة (هوية، طائفة، عرق، عقيدة) -كما يجري في بلاد العرب- فإن الكذب قد يصبح أكثر فائدة وربحية للسياسي!

وعليه، نفترض ما يلي:

(كلما زادت مصداقية واستقلالية المؤسسات الفاعلة في الدولة، والتي تستطيع اختبار الرواية الرسمية، كلما ارتفعت كلفة الكذب السياسي، والعكس صحيح، فاذا انخفضت جودة المؤسسات الوطنية، أصبحت السلطة السياسية أكثر قدرة على إنتاج روايتها الخاصة للواقع، بعيداً عن معيار الحقيقة).

وتُقدّم حالة الرئيس الأميركي "ترامب" نموذجاً واضحاً على وجود مقاومة وفعالية مؤسسية كبيرة للكذب السياسي؛ فقد وُجدت صحافة ومدققو حقائق ومحاكم ومؤسسات سياسية قادرة على تحدي ادعاءاته، أما في البيئات الأكثر سلطوية، فقد تصبح الدولة نفسها جزءاً من إنتاج سردية رسمية "مؤطّرة" وحمايتها.

 وحتى لا نقترب من نماذج لا تحصى في الواقع السياسي العربي، سنكتفي باستعراض نماذج من الكذب السياسي لدى أبرز قادة العالم اليوم في هذا المضمار وهما: (ترامب ونتنياهو).

"ترامب" وتوظيف المبالغة والتزييف

يمثل "ترامب" حالة شديدة الدلالة على انتقال الكذب السياسي من محاولة إخفاء الحقيقة إلى محاولة إغراق المجال العام بالادعاءات، فبعد انتخابات 2020، أصبح ادعاء سرقة الانتخابات محوراً مركزياً في خطابه، رغم عدم ثبوت تزوير واسع النطاق يغير نتيجة الانتخابات، وتظهر سجلات البيت الأبيض نفسه أن ترامب كان يكرر ادعاءات عن وجود تزوير رغم مواجهته بأسئلة مباشرة حول غياب الأدلة على تزوير واسع.

لكن المثال الأكثر إثارة هو مساحة ما يدّعيه يومياً من أخبار غير دقيقة، وحجم ما يقدم عليه من تكرار متعمّد لسرديات ذاتية لا يملك عليها أدنى دليل، سوى أنه صاحب السردية، فقد أحصى فريق تدقيق الحقائق في واشنطن بوست خلال فترة رئاسة ترامب الأولى (2017-2021) حول (30.573) ادعاءً كاذباً أو مُضللاً، بمتوسط (21) كذبة يومياً!، وذكر التقرير أنه في يوم واحد فقط، وهو عشية انتخابات 2020، أحصى الفريق (503) ادعاءات كاذبة.

وإذا كان ترامب يُمطر الإعلام بعشرات الادعاءات اليومية، فإن عملية التحقق تصبح أبطأ من عملية الإنتاج، وهنا تتحول كمية الكذب إلى أداة سياسية بلاغة الخطورة، ليس لأن كذبه بحد ذاته مقنع، بل لأنه يستهلك قدرة المجتمع والإعلام على التحقق من صحة ما يدّعيه.

ولا يقتصر الكذب السياسي على التكتم على المعلومات أو التضليل التكتيكي، بل يتجاوزه الرئيس "ترامب" ليصبح استراتيجية اتصال جماهيري قائمة على المبالغة وتزييف الحقائق لتشكيل سرديات بديلة.

 وتوفر ممارسات الرئيس ترامب خلال ولايته الثانية التي بدأت في يناير 2025 نموذجاً بارزاً لكيفية توظيف الروايات المضللة في خدمة الأهداف السياسية، ورسم صورة ذكية لـ "صانع السلام الحاسِم"!

وقد لاحظ العالم بأسره هذا النمط بشكل جليّ في خطاب ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخراً (22 سبتمبر 2026)، والذي شهد استعراضاً لعدة ملفات دولية عبر ادعاءات تتعارض مع معطيات وحقائق الواقع والميدان، نذكر منها:

1.     ادعاءه إنهاء الحرب بالكامل في قطاع غزة عبر خطة سلام ورئاسة "مجلس السلام"، ورغم رعاية واشنطن لاتفاق وقف إطلاق النار أواخر عام 2025، إلا أن استمرار العمليات العسكرية والقصف الجوي والأزمة الإنسانية الشاملة يكشف عن اتساع الفجوة بين الخطاب الترويجي المزيّف والتطبيق.

2.     مزاعمه القائلة بالقضاء التام على البرنامج النووي الإيراني وتدمير (159) سفينة وتأمين مضيق هرمز بالكامل في إطار المبالغة والتهويل، فتأكيدات التقارير الاستخباراتية والمراقبين الدوليين تشير إلى أن الضربات العسكرية المتلاحقة منذ عام 2025 لم تحسم الصراع نهائياً، وأن المواجهات المستمرة كشفت عن استنزاف في المخزونات الدفاعية للجانب الأمريكي ذاته.

3.     استخدم ترامب الأرقام بشكل موجه عند إعلان السيطرة على (65) مليار برميل من النفط الفنزويلي عقب عملية عسكرية أدت لاعتقال الرئيس "مادورو"، مع ادعاء هيمنة واشنطن وكاراكاس على (60%) من النفط العالمي، وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن الحصة الإجمالية للبلدين لا تتجاوز (23%)، مما يعكس كيف يمكن للمبالغة الرقمية أن تُستغل لتبرير السياسات الاقتصادية ونهب ثروات الآخرين أمام الرأي العام.

4.     يمتد الخطاب "الترامبي" التضليلي إلى إعلان إنهاء (8) صراعات دولية (مثل نزاعات أذربيجان وأرمينيا، ورواندا والكونغو) برغم كونها إما مجمدة أو خاضعة لوساطات أخرى، كما ادعى أمام الرأي العام الأمريكي بجلب استثمارات بقيمة (21) تريليون دولار، بينما تسجل البيانات الرسمية لعام 2025 استثمارات أجنبية مباشرة فعلية بحدود (232) مليار دولار فقط!

تؤكد هذه الشواهد أن التضليل والكذب السياسي في خطاب الرئيس ترامب، لا يأتي كأخطاء عفوية أو زلات لسان، بل يعبر عن استراتيجية مراوغة إعلامية تُدمج من خلالها أنصاف الحقائق مع المبالغات الصريحة لإنتاج "بروباغندا" قوية تهدف إلى تضخيم الإنجازات السياسية داخلياً، وفرض هيمنة صلبة على الصعيد الدولي.

نتنياهو وإدارة الأزمات عبر التضليل والكذب

تُقدم التجربة السياسية لرئيس الوزراء "نتنياهو" نموذجاً مختلفاً للكذب السياسي، يعتمد على"التكتم والتضليل التكتيكي وإنكار الشواهد الميدانية لإدارة أزمات الحكم، والتنصل من المسؤولية الحقوقية والسياسية، وتكشف الممارسات الإعلامية والتصريحية لإدارته وجود فجوة عميقة بين السرديات الرسمية الموجهة للمجتمع الدولي والواقع الفعلي على الأرض، وهو ما تتطرق إليه التقارير الأممية والتحليلات السياسية والدولية، بل وحتى الأصوات المعارضة داخل إسرائيل نفسها.

كما يقدم "نتنياهو" نموذجاً مختلفاً من الخداع الأمني والكذب السياسي، يعتمد على تبني حقائق من العدم واختلاق معلومات مُضللة من وثائق صحيحة، لكن بطريقة مؤطّرة وخطيرة تحقق هدفه السياسي المنشود.

1.     في عام 2018 عرض "نتنياهو" ما وصفه بأنه أرشيف للبرنامج النووي الإيراني، مستنداً إلى وثائق استخباراتية، والنقطة التحليلية المهمة في هذا المثال هي التمييز بين وجود الوثائق وبين الاستنتاج السياسي الذي أُريد للجمهور المُستهدف أن يخرج به منها.

2.     كما استخدام "نتنياهو" استراتيجية الخوف الأمني ولغة التهديد الوجودي، بصفتها آليات قادرة على تقديم الخطر باعتباره وشيكاً للغاية، فيهيأ الرأي العام الداخلي والغربي لقبول إجراءات استثنائية غير مسبوقة!

3.     تنعكس استراتيجية التضليل والكذب في إصرار نتنياهو على نفي وجود مجاعة أو سياسة تجويع وإبادة جماعية في غزة، ووصف التفاصيل التوثيقية بـ "أكذوبة القرن"، وذلك في مواجهة صريحة لتقارير الأمم المتحدة، ومذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، والقرارات الصادرة عن محكمة العدل الدولية.

4.     كما تتجلى استراتيجية كذبه السياسي في ملف الأسرى؛ حين كان يُروج لبذل جهود مضنية لإعادتهم، في حين اتهمته المؤسسات الأمنية الإسرائيلية وعائلات المحتجزين بتعطيل الصفاقات وإدراج شروط تعجيزية لحماية ائتلافه الحكومي، بالتوازي مع تسويق مقولة "الجيش الأكثر أخلاقية" لتغطية الاستهداف الممنهج للبنى التحتية والمرافق المدنية!

5.     يُوظّف الخطاب السياسي ادعاءات تقويض "محور الشر" وإعادة صياغة معادلات الردع بعد الهجمات على لبنان وإيران، للتعمية على واقع الاستنزاف الصاروخي والأمني الممتد وتزايد الخسائر الاقتصادية والبشرية.

6.     كما اعتمد نتنياهو في سياسته الإعلامية على تسويق الرغبة في السلام مع الشعبين "الفلسطيني واللبناني"، بينما تُظهر المعطيات الميدانية للغارات والعمليات البرية حجم الخسائر الواسعة في صفوف المدنيين وتدمير القرى والبلدات، بما يتناقض مع ادعاءاته.

7.     يستند خطاب الكذب السياسي لدى نتنياهو إلى تضخيم الخطر القادم من الجبهات السورية واللبنانية، واستخدام هذا التهديد كأداة لتحويل الانتباه الدولي عن الإبادة اليومية وتهجير الفلسطينيين، والتنصل من استحقاقات الحلول الدبلوماسية الدائمة لصالح خيارات الاستنزاف العسكري المفتوح!

8.     يظهر التلاعب والكذب في استخدام الخرائط الاستعراضية بالجمعية العامة للأمم المتحدة للترويج لـ "شرق أوسط جديد" وشراكات إقليمية بمعزل عن القضية الفلسطينية، إلى جانب الادعاء بوجود "تنسيق وتأييد سري" من قادة عرب! وتتكسر هذه الادعاءات أمام المواقف الرسمية العربية والانسحابات الجماعية الدبلوماسية أثناء إلقاء خطاباته.

توضح حالة "نتنياهو" أن الكذب السياسي حين يتحول إلى "أداة للبقاء في السلطة"، يتجاوز التضليل الخارجي ليصبح وسيلة لإدارة الصراع الداخلي أيضاً، وتؤكد الانسحابات الدبلوماسية المتكررة من المحافل الدولية، إلى جانب الاتهامات الحادة الصادرة عن المعارضة والصحافة الإسرائيلية التي تصفه بـ "الكاذب المحترف"، أن توظيف السرديات المضللة لم يعد قادراً على تغطية المأزق الاستراتيجي، بل بات يُعمّق عزلة هذا الكيان ويُضحّي بالتفاهمات السياسية طويلة الأجل لخدمة المصالح الشخصية والتحالفات الحزبية الضيقة. 

خلاصة القول

لا تكمن الإجابة عن سؤال لماذا يكذب الساسة؟ في القول إن السياسيين أكثر فساداً أخلاقياً من غيرهم، ولا في افتراض أن جميع السياسيين يكذبون بالقدر نفسه، بيد أن الإجابة الأكثر تفسيراً هي أن السياسة تخلق حوافز للكذب.

فالسياسي يريد السلطة، والسلطة تحتاج إلى الشرعية، والشرعية تحتاج إلى الجمهور، والجمهور لا يتخذ قراراته بناءً على الحقائق وحدها، بل بناءً على الخوف والأمل والانتماء والهوية والثقة والصورة النمطية.. ولذلك يصبح التحكّم في الرواية السياسية جزءاً من التحكم في السلطة نفسها.. والبيئة السياسية أحيانا -في أي بلد- قد تجعل تكلفة الحقيقة أعلى وأخطر من تكلفة الوهم!


ياء بْن نُون | Ya' ibn Non


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق