اتفاق مكة هل وُلد نظام أمني إقليمي جديد، ولماذا مكة تحديداَ؟
اذا أعجبك التقرير ...
انضم لقناة ياء بن نون، واستمتع بكل جديد :
اتفاق مكة: هل بدأت المنطقة بناء نظام أمني إقليمي ذاتي؟
تُمثّل اتفاقية مكة للدفاع المشترك لحظة فارقة في تاريخ التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي؛ إذ تُعبر في جوهرها عن تحول بنيوي عميق ينقل أمن المنطقة من الارتباط بالحماية الخارجية المباشرة إلى مرحلة "الحماية الإقليمية الذاتية" التي تصوغها قواها الأساسية.
ولا ينبغي قراءة هذا التحالف بوصفه إعلاناً عن نشوء "ناتو إسلامي" بآليات عملاتية وقيادة عسكرية موحدة على غرار المنظومة الأطلسية، كما حاول بعض المبالغة في تكييف مستقبل الاتفاق، بل باعتباره طبقة ردع جديدة تُشيّد نظاماً دفاعياً مرناً يربط الإمكانات السعودية والتركية والباكستانية ضمن بنية تقوم على التكامل غير المتماثل؛ حيث يتلاقح "العمق المالي والدبلوماسي والموقع الجغرافي للسعودية، مع التكنولوجيا العسكرية والقاعدة الصناعية المتقدمة لتركيا، جنباً إلى جنب مع الكتلة البشرية والعسكرية والنووية لباكستان ومظلتها الإستراتيجية.
وقد جاء الاتفاق في لحظة إقليمية استثنائية أعادت فيها حرب غزة منذ أكتوبر 2023، والتوسع الإسرائيلي في ساحات الصراع، والمواجهة الأمريكية-الإيرانية، وتراجع الاستقرار في سوريا والعراق والبحر الأحمر، رسم خريطة جديدة للمخاطر.
وقد كشفت هذه التطورات حدود النظام الأمني التقليدي الذي كانت الولايات المتحدة تمثل مركزه الأهم، فالسعودية، رغم استمرار شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، لم تعد تريد أن يكون أمنها مرهوناً حصراً بقرار القوة العظمى أو بدرجة استعدادها للتدخل.
وتطرح الاتفاقية إشكالية إدارة الشبكات المعقدة من علاقات الأطراف الثلاثة مع الخصوم والأصدقاء، فبالنسبة للهند، يُدرك الجميع أن التحالف صُمم لحماية الأراضي السيادية للدول الأعضاء من الاعتداء المباشر، وليس للانخراط في الصراعات المحلية لباكستان في جنوب آسيا.
أما طهران، فتقرأ الاتفاقية بعينين متناقضتين؛ فبينما تتفق مع الطرح الذي يضعف الاعتماد على الحماية الأمريكية، تجد نفسها في الوقت ذاته أمام جبهة ردع متكاملة تحيط بها من الشرق والشمال الغربي والجنوب.
وتظل إسرائيل الطرف الأكثر انزعاجاً من هذه الهندسة الجديدة، حيث يؤدي تكتل التكنولوجيا التركية والمال السعودي تحت مظلة دولة نووية مثل باكستان إلى ضرب سيناريوهات التفوق العسكري المطلق، ورفع تكلفة أي مغامرات عسكرية أحادية الجانب، مما يضع حداً لمراهنات تل أبيب على فرض شروطها الأمنية في المنطقة.
إن الاختبار الحقيقي لاتفاقية مكة لن يكون في نصوص المذكرات أو مراسم التوقيع، بل في قدرة هذه القوى الثلاث على التوفيق بين التزاماتها الإقليمية المتقاطعة وتحدياتها الاقتصادية والعسكرية؛ فتركيا توازن بين الحلف الجديد وعضويتها في الناتو، وباكستان تحافظ على مركزية صراعها مع الهند مع محاولة جني مكتسبات اقتصادية واستراتيجية في الخليج، بينما تواصل السعودية رسم ملامح نظام إقليمي متعدد الأقطاب.
ولا شك أن هذا الاتفاق لا يعني قطيعة فعلية مع الولايات المتحدة، بالنسبة للسعودية تحديداً، بل يمثل بنظرنا "إعادة تسعير" للعلاقة مع واشنطن من موقع قوة لا تبعية، بعد أن أثبتت الأزمات المتتالية تراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، مما دفع الرياض إلى الحد من احتكار واشنطن لملف أمن الخليج عبر خلق خيارات إستراتيجية موازية.
لكن الأمر الذي يبحث عن إجابة حقيقية له هو سر اختيار "مكة المكرمة" لتوقيع الاتفاق، بدلاً من الرياض أو عواصم دول الاتفاق، فمكة المكرمة ليست مجرد مدينة سعودية، وإنما مركز رمزي للعالم الإسلامي، واختيارها مكاناً لتوقيع الاتفاق يبعث برسالة مفادها أن الأمن الإقليمي يمكن أن يُبنى من داخل المجال الإسلامي، لا أن يظل مجرد امتداد لمنظومة أمنية تصممها قوة خارجية، كما يعزز ذلك موقع السعودية باعتبارها دولة تسعى إلى المشاركة في صياغة قواعد الأمن الإقليمي، وليست دولة خليجية تبحث عن الحماية الخارجية.
قد يكون اتفاق مكة أهم من مجرد تحالف عسكري، فهو برأينا محاولة للانتقال من مفهوم الأمن الذي توفره قوة عظمى إلى مفهوم الأمن الذي تنتجه القوى الإقليمية بنفسها، لهذا لن يكون الهدف القريب للاتفاق هو إسقاط المظلة الأمريكية، أو مواجهة إيران، أو محاربة إسرائيل، بل منع أي قوة، إقليمية أو دولية، من احتكار تعريف الأمن وشروط القوة في المنطقة.