قد أختلف معك، وقد أرفض عقيدتك أو أفكارك أو مشروعك السياسي، وقد أجادلك وأحاربك سياسياً وفكرياً، لكنني مع ذلك أعترف لك بإنسانيتك وحقك في الوجود، أما حين أبدأ بتصويرك بوصفك أقل من إنسان، أو بوصفك جنساً أدنى، أو نجاسة ينبغي تطهير العالم منها، فإن المسألة تنتقل من الخلاف إلى نزع الإنسانية، ومن الاختلاف إلى الاستباحة!
هذا ما اجتهد في تحليله وتأصيله الأستاذ "ممدوح الشيخ" في كتابه "ثقافة قبول الآخر"، محاولاً تبديد الأوهام السائدة في الصورة النمطية للعرب والمسلمين، وكذلك الإسلام نفسه، بوصفه مُتهماً زوراً بأنه دين يرفض الآخر ويشجع على رفضه.
فقد أراد الكاتب "الشيخ" أن يؤصّل لأول مرة لقضية قبول الآخر من القرآن الكريم نفسه، لأن المكتبة العربية كانت تزخر بأدبيات كثيرة مؤلفة أو مترجمة، أو مكتوبة بحس غربي وروح غربية تماماً، تنقل مفاهيم واتهامات وتضليلاً وتجنياً شديداً على ثقافتنا؛ كعرب ومسلمين، في مسائل الآخر والأقليات والحريات الدينية وحرية التعبير.
وهنا تصبح قصة إبليس وآدم
إبليس واستراتيجية الإغواء والاحتواء
خلقُ آدم
موقف إبليس لم يكن رداً على عداء سابق، بل مبادرة بالعداء دون سابق عداوة، والغريب، بل المفتاح الفلسفي -كما يرى الشيخ- أن إبليس لم يفكّر في نجاته هو على الإطلاق، وإنما فكّر في إهلاك الآخر، توعد وأقسم ووضع لنفسه ما يشبه اليوم "استراتيجية شاملة للإغواء والاحتواء".
هذه الرغبة في إهلاك الآخر، لا في نجاة النفس، مسألة غير مفهومة في إطار الفطرة الطبيعية؛ فهي تكشف عن بنية نفسية ومعرفية تقوم على الكِبر والاستعلاء، إبليس قررّ أن الحقيقة مصدرها ذاته، وأنه هو مصدر الحقيقة المطلقة.
فضّل نفسه على آدم
أولاً، لقد افترض أن الكائنات تتفاضل بذاتها، وأن الجمادات والكائنات الحية الأخرى تخضع لتراتبية مختلفة.
ثانياً: ادعى أنه يمتلك جهة تصنيف هذه الموجودات، وأنه يعلم قائمة الأفضلية وفقاً لما يراه هو! فالنار عنده خير من الطين، دون أدنى دليل أو تفسير، ثم رتّب على هذا أن أفضلية النار تعطيه الحق في عصيان الخالق.
هذه منظومة معرفية كاملة لموقف إبليس: تصنيف انطباعي، ثم استحقاق أخلاقي مبني عليه، ثم تبرير للتمرد والاستباحة!
وهنا يمكن قراءة موقف إبليس باعتباره نموذجاً بدائياً لما يمكن أن نسميه في السياسة الحديثة "ثقافة الاستباحة"، حين يصبح وجود الآخر في ذاته مشكلة، وحين لا يعود المطلوب أن تنتصر على الآخر في المنافسة، بل أن تمنعه أصلاً من الوجود أو تمنع عنه شروط الوجود والحياة.
من هنا جاء القسم الإبليسي: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) لم تعد القضية منافسة على موقع، وإنما تحولت إلى مشروع طويل الأمد لإفساد علاقة الآخر بوجوده وبربه وبذاته.. وهذا هو الفارق بين المنافسة والاستباحة: المنافسة تفترض وجود الآخر؛ أما الاستباحة فتريد إلغاءه!
إن رفض الآخر، كما أسسه إبليس، ليس مجرد خلاف أو اختلاف، بل هو بنية معرفية وأخلاقية تحوّل فيها الاختلاف إلى عداء جوهري، ثم تحوّل العداء إلى حق في الاستباحة.. النموذج التطبيقي القرآني يظهر في قصة إخوة يوسف
استباحة الآخر من قصة إبليس إلى التاريخ الاستعماري
وعندما نمدُّ الخط على استقامته في التاريخ، ونخرج من المجال الرمزي لقصة إبليس إلى التاريخ الإنساني، نجد أن هذه البنية النفسية والمعرفية ظهرت بأشكال لا حصر لها، ونكتشف أن أحد المزالق الخطيرة في الثقافة الغربية الحديثة أنها اعتبرت "الخيرية" مرتبطة بالعرق، ففي أوروبا الحديثة ظهرت نظريات صنّفت البشر إلى أعراق ووضعت بينها تراتبية مزعومة، ثم جاء النازيون ليحولوا هذه الأفكار إلى نظام سياسي شامل.
فقد اعتقد النازيون بوجود أعراق متنافسة، وبأن بعضها أعلى من بعضها الآخر، وصنفوا الألمان ضمن ما سموه "العرق الآري"، وأعلنوا الحروب على هذا الأساس التمييزي.
واليهود ساهموا في إشعال هذه النار بنقلهم مقولة "شعب الله المختار" إلى الثقافات المسيحية الغربية، فتحولت من سياق لاهوتي خاص إلى أداة تمييز حضاري.
فكرة أن من حق شخص أو جماعة أن يقرر أنه فوق الناس تظهر في صورة "الكِبر العرقي والقومي"، وإذا قدمنا كشف حساب عن الثمن الذي دفعه الألمان وأوروبا والعالم لرؤية هتلر، سنكتشف أن هذا الكِبر من أهم أسباب سفك الدماء في التاريخ الحديث.
لكن الجذور أقدم من ذلك: في التوراة، التي أصبحت مكوناً رئيساً من الفكر الغربي بشكل غير مسبوق، رسمت صورة ليشوع (يوشع بن نون) وهو يدخل الأرض المقدسة فيبيد الرجال والنساء والأطفال وحتى الحمير بحد السيف، هذه الرواية المقدسة عند بني إسرائيل أسسّت لثقافة تُقدّس ما فعله الأوائل، فصار سفك الدماء أمراً لا يواجه بالقدر نفسه من الإحساس بالذنب.
وفكرة "الشعب المختار" موجودة في مختلف المصادر اليهودية، وخاصة في أسفار الكتاب العبري، فتتحدث نصوص كتبهم عن حروب إبادة وتحريم بعض الشعوب؛ ففي سفر التثنية، مثلاً، توجد نصوص تأمر بعدم إبقاء "ما يتنفس" حياً في أرض كنعان.
المسألة الأكثر أهمية فلسفياً بالنسبة لنا: أن النص عندما ينتقل من مجال السرد الديني إلى مجال التبرير السياسي، يمكن أن يتحول بسهولة إلى مصدر للشرعية في يد السلطة، وهذا ما يحدث في اليهودية وغيرها.
وعندما ذهب الأوروبيون لاكتشاف الأمريكيتين، تسلّحوا بهذه الأسطورة وصوّروا أنفسهم شعب الله المختار الذي يدخل الأرض المقدسة الجديدة، "كريستوفر كولومبوس" ومن تبعه نظروا إلى الهنود الحمر كحيوانات، واستباحوا دماءهم وأرضهم وثقافاتهم تحت شعار إدخالهم عالم الحضارة أو تطهير الأرض من "الأغيار"!
وكشفت تجربة السكان الأصليين "الهنود الحمر" في الأمريكيتين عن صورة قاسية من هذه المعادلة، والتاريخ الاستعماري لأمريكا الشمالية والجنوبية مليء بأشكال مختلفة من نزع الأرض، والحروب، والتهجير، والاستيعاب القسري، وتدمير الثقافات.
وقد أقرت الفاتيكان في بيان عام 2023 بأن هذه المفاهيم استُخدمت تاريخياً من قبل قوى استعمارية لتبرير مصادرة أراضي الشعوب الأصلية، مع تأكيدها أن "عقيدة الاكتشاف" ليست جزءاً من التعاليم الكاثوليكية الرسمية، وإقرارها بأن بعض الوثائق البابوية التاريخية لم تعكس بصورة كافية المساواة في الكرامة والحقوق".
الاستباحة نفسها تكررت في تجارة العبيد الأفارقة، حيث أُبيد أو استُعبد ما يزيد عن أربعين مليوناً في مطلع العصر الحديث، بحجة أن الأسود أدنى من الأبيض، وفي القارة السمراء وآسيا والصين والهند والعالم العربي والإسلامي، مارست فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وإيطاليا وهولندا وغيرها حروب إبادة واستعمار مبررة بتفوق العرق الأبيض والدين القويم والرسالة الحضارية.
الفيلسوف "جون سارتر" نفسه لخّص جوهر هذا الموقف حين قال إن "الآخر هو الجحيم"، هذا التعبير لم يكن مجرد فلسفة وجودية، بل انعكاساً لثقافة طويلة اعتبرت وجود الآخر مشكلة يجب حلها بالاستبعاد أو الإبادة.
استنساخ الماضي في الحاضر لاستباحة الآخر
لم تكن العنصرية الحديثة مجرد كراهية عاطفية، بل كانت في جوهرها أيديولوجيا للأفضلية، فالاستعمار الأوروبي لم يكن في كل حالاته مجرد رغبة اقتصادية في السيطرة على الأرض والموارد، بل احتاج أيضاً إلى خطاب يمنحه الشرعية، وقد وجد ضالته في الكلمة السحرية "نقل الحضارة"، فقد كان الأوروبي يدافع عن استعمار الأرض والإنسان بحجة مساعدة الشعوب على التقدّم والعمران ونقل تجربته الحضارية والمدنيّة لها حتى تتمكن من تقرير مصيرها، فأصبحت الوصاية "شرعية"، وأصبح نهب ثروات الشعوب مجرد "فاتورة" لثمن التمدّن المزعوم! وأصبحت ثقافة المُستعمِر معياراً أحادياً للحضارة الإنسانية.
في العصر الحديث: تشير الأمم المتحدة، في مادة عن الانتقال من خطاب الكراهية إلى العنف، إلى أن تحويل البشر إلى "آخرين" وتجريدهم من الصفات الإنسانية يمثل أحد العوامل التي تزيل الحواجز النفسية والأخلاقية أمام العنف الجماعي، وتورد النازية ورواندا مثالين واضحين على ذلك.
ونجد النموذج التطبيقي نفسه في رواندا، حيث أقنع جماعة (الهوتو) أنفسهم، بفعل الاستعمار البلجيكي، بأنهم أفضل عِرقاً من جماعة (التوتسي)، وأن هؤلاء حشرات يمكن ذبحها، وهو ما نجم عنه إبادة جماعية عام 1994م.
وكذلك ما يجري مع شعب الإيغور المسلم -المنسي عالمياً- في تركستان الشرقية المحتلة من الصين، من اضطهاد ممنهج وإبادة جماعية منذ عام 1949م، بسبب اختلاف العرق والدين!
في الحروب الأمريكية المعاصرة على العراق وفيتنام وأفغانستان وغيرها، ينطلق الخطاب غالباً من الفكرة العنصرية ذاتها: استباحة الآخر بحجة أن أمريكا تمثل العرق الأفضل والبشرة البيضاء والدين القويم وأصحاب الرسالة لتطهير الأرض من الأجناس أو الأغيار، الرافد الأول لهذه الثقافة يعود إلى تقاليد قصة إبليس وصراعه مع آدم وإعلانه العداء لبني آدم، والرافد الثاني مصدره التوراة المقدسة التي أصبحت مكوناً رئيساً في الفكر الغربي.
وعندما نصل إلى التجربة الفلسطينية، تصبح المسألة أكثر وضوحاً، لأننا أمام صراع على الأرض والهوية والوجود، يتداخل فيه السياسي بالديني والتاريخي والقومي، وليس من الصعب أن نجد في تاريخ الحركة الاستيطانية اليهودية وفي بعض الخطابات الدينية القومية الإسرائيلية توظيفاً لمفاهيم توراتية تتصل بالأرض الموعودة وبالاختيار وبقصص الحروب القديمة، بحيث يتحول التاريخ المقدس عند بعض التيارات إلى جزء من خطاب الحق السياسي المعاصر في الأرض.
ولن ينسى أحد وصف وزير الدفاع السابق " غالانت" الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية"، وعلى هذا الأساس شاهد العالم بأمّ عينه إبادة شعب غزة المستمرة منذ عام 2023م وحتى اليوم!
هنا يظهر "الآخر" الفلسطيني في معظم أشكال الخطاب الإسرائيلي المتطرف، ليس مجرد إنسان يعيش على الأرض، وإنما عقبة أمام تحقيق وعد تاريخي، وإذا كان إبليس قد بنى موقفه على فكرة أن آدم كائن أقل منه لأنه خلق من مادة أخرى، فإن المنطق الاستيطاني اليهودي المتطرف يبني موقفه على فكرة أخرى: نحن أصحاب الأرض الحقيقيون لأننا ننتمي إلى الجماعة التي اختارها الربّ لهذه الأرض، وبالتالي فإن وجود الآخر هو معارضة لأمر الربّ.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الخطابات الإسرائيلية المتطرفة التي تستدعي قصص يشوع أو العماليق ومفردات "الوعد" و"أرض إسرائيل" لتبرير الاستيطان بوصفه حق مقدس، حتى لو خالف قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان! وقد كشفت تقارير أممية أن توسّع الاستيطان في الضفة الغربية مؤخراً، تزايد بعد استدعاء خطاب ديني قومي لدى المستوطنين، يربط فكرة الحق التوراتي في الأرض لتبرير التوسّع والتهجير.
وهذا ما يسميه علماء الإنسانيات اليوم "نزع السياق الإنساني" أو "التشيطن": أن تنزع عن فئة إنسانيتها ثم تستبيحها، فلا تشعر بتأنيب الضمير لأنك في النهاية تتعامل مع كائنات ما دون الإنسانّ، و"التشيطن" مقدمة ضرورية للاستباحة في السياسة الإمبريالية الغربية: "شيطنة" العرب أو المسلمين أو أي فئة أخرى يبرر، ولو ضمناً، استباحة دينها أو عرضها أو مالها أو حتى إبادتها!
وحين يصبح الآخر "شيطاناً"، يصبح من السهل أن تقول إن كل شيء مباح ضده، وهنا تصبح عبارة "شيطنة الآخر" أكثر من استعارة، إنها آلية سياسية ونفسية حقيقية: انزع عن الآخر إنسانيته، ثم انزع عنه حقوقه، ثم يصبح الاعتداء عليه قابلاً للتبرير!
معيار التفاضل القِيميّ
حين يفقد الإنسان اسمه في اللغة، يصبح فقدانه في الواقع أسهل.. وهنا ربما تكمن إحدى أعمق رسائل ثقافة قبول الآخر: أن قبول الآخر ليس مجاملة أخلاقية، ولا تنازلاً عن العقيدة أو الهوية.. إنه اعتراف بأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان إنساناً، وأن الاختلاف أصل الوجود لا الفناء.
وهذا الأمر يؤسّس لمعيار إلهي كوني لا يسمح أصلاً بتحويل الإنسان إلى مادة للاستباحة، فالقرآن الكريم حين يقول (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) لا يلغي الاختلاف، وإنما يعيد تعريف وظيفته، الشعوب والقبائل موجودة والاختلاف موجود والهويات موجودة، لكن الغاية ليست الاستعلاء والنزاع وإنما التعارف والتنافس.
ثم تُكمل الآية معيار التفاضل القيمي والحقيقي: لتضع معياراً آخر للتفاضل (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).. وهنا ينتقل معيار القيمة من شيء لم يختره الإنسان -اللون والعرق والنسب والجنس- إلى شيءٍ يتصل بمسؤوليته الأخلاقية التي تقع ضمن نطاق اختياره الأصيل.
#ياء_بن_نون
#ياسر قطيشات