لطالما شكّلت حركة التوسع في التاريخ الإنساني عاملاً مركزياً في صياغة معالم الحضارات، وحدودها وهوياتها، غير أن هذا التوسع لم يتخذ طابعاً واحداً عبر العصور، فبينما اتّخذت الحضارة الإسلامية مفهوم "الفتح" إطاراً لنشر الرسالة والتواصل مع الشعوب الأخرى، مثّلت الحضارة الغربية المسيحية، لاسيما في طورها الكولونيالي الحديث، نمطًا توسعياً مختلفاً عُرف بالاستعمار، وهو توسع قائم على السيطرة والاستغلال وإعادة تشكيل الهويات المستعمَرة وفق مرجعية الهيمنة الغربية.

في المنظور الإسلامي، يمثّل "الفتح" مفهوماً حضارياً أصيلاً يستند إلى رؤية قرآنية تعتبر الإنسان مخلوقاً مكرماً، جديراً بالخطاب والاختيار، لا بالإخضاع القسري، وقد عبّر الصحابي "ربعي بن عامر" عن جوهر الفتح حين قال لقائد الفرس: "جئنا لنُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد"، فالفكرة الجوهرية خلف الفتح الإسلامي هي تخليص الإنسان من الاستبداد وإتاحة الفرصة له للانخراط في منظومة حضارية قوامها التوحيد والعدل والمشاركة، لا القهر والخضوع والنهب.

أما الاستعمار الغربي، الذي اتخذ شكله المنظّم منذ أواخر القرن الخامس عشر، فقد استند إلى خطاب عنصري استعلائي يرى في الشعوب الأخرى كيانات "متخلّفة" تحتاج إلى التهذيب والتمدين، غير أن الشعارات الحضارية والدينية التي رافقت الاستعمار لم تكن سوى غطاء لواقع أكثر عنفاً ودموية، يتجلى في السلب الاقتصادي والسيطرة الثقافية، والقهر العسكري.

 لقد استُخدمت القوة المادية كأساس لبناء منظومة استعمارية هدفها تكريس التبعية، لا إقامة أي نوع من المشاركة أو التفاعل الحضاري العادل.

بين "الفتح والاستعمار" تتمايز الرؤية والغائية والوسيلة بشكل جوهري:

 الفتح الإسلامي ينبثق من منطلق رسالي يتأسس على قيم روحية وأخلاقية، ويهدف إلى إقامة نظام عمراني يقوم على التوحيد والعدل والشورى، لم يكن الإنسان في هذا المنظور هدفاً للإخضاع، بل مخاطَباً بالحق ومسؤولًا عن الاختيار، ما يفسر ممارسات المسلمين التاريخية التي منحت الشعوب الي فُتحت بلدانها حرية دينية وحماية قانونية، بما في ذلك أهل الذمة.

في المقابل، ينبثق الاستعمار الغربي من منطق مادي أداتي يرى الإنسان الآخر أداة اقتصادية وموضوعاً للهيمنة، كانت الغاية المركزية هي تحقيق التفوق السياسي والاقتصادي، وقد جرى استخدام الدين والعلم والسياسة كأدوات لتبرير هذا المشروع، لا كقيم توجهه.

العلاقة بالآخر لم تقم على الاعتراف، بل على الإلغاء أو التذويب، بما يتماشى مع منطق المركزية الغربية – كما يقول المفكر عبد الوهاب المسيري- التي وضعت ذاتها في موقع "المدني المتفوق" في مقابل "الهمجي المتخلف"!



ومن الأمثلة البارزة على الفتح الإسلامي، يمكن استحضار تجربة الأندلس، حيث دخل المسلمون بدعوة من أهالي بعض البلدان، وأسّسوا حضارة امتدت لما يقارب ثمانية قرون، كانت الأندلس نموذجاً للتعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود، حيث ازدهرت العلوم والآداب والفنون، وبلغت قرطبة وأشبيلية مستويات عمرانية وثقافية غير مسبوقة في أوروبا في ذلك الوقت.

 لم يكن التوسع في الأندلس مشروعًا نهبوياً، بل كان انخراطاً حضارياً نتج عنه تفاعل ثقافي أثّر في النهضة الأوروبية ذاتها.

وفي قصة فتح "سمرقند" عام 93 هـ تتجلى قيمة عليا تمثل النموذج الحقيقي لمفهوم "الفتح الإنساني"؛ حين يتقدم العدل على صليل السيوف، حيث أثبت الإسلام أن عدالة الأحكام أبلغ أثراً من قوة السلاح، وأن الفتح الحقيقي هو ما استقر في القلوب قبل أن يخضع الأرض والحدود.

فبعد أن دخل القائد المسلم "قتيبة بن مسلم الباهلي" مدينة سمرقند مباغتةً دون تقديم التخيير المعتاد لأهلها بين الإسلام أو الجزية أو الحرب، اعترض كبار كاهنيها على هذا التصرف، وأرسلوا وفداً إلى "الخليفة عمر بن عبد العزيز" في دمشق يشكون إليه الواقعة، فما كان من الخليفة إلا أن كتب ورقة موجزة لعامله في سمرقند يطالبه فيها بتنصيب قاضٍ ينظر في دعوى القوم.

 


وعُقدت المحكمة برئاسة القاضي "جُمَيع بن حاضر الباجي"، وبعد استماع الدعوى وإقرار ممثل الجيش بالمباغتة خشية تحصن أهلها، أصدر القاضي حكماً يُعد الأغرب في تاريخ الفتوحات؛ إذ قضى بانسحاب الجيش الإسلامي كاملاً من المدينة وتسليمها لأهلها ليتحصنوا ويستعدوا، ثم إمهالهم ثلاثة أيام وتخييرهم وفق السنّة قبل أي قتال.

لقد أدرك أهل سمرقند حينها أنهم أمام أمة تُحكم بالرحمة والشرع، فخرجوا يتدافعون ليعلنوا دخولهم في الإسلام طواعية، ليتحول فتح السيف إلى فتحٍ بالأخلاق والعدل.

في المقابل، يشكّل الاستعمار الفرنسي للجزائر نموذجاً معاكساً تماماً، فقد بدأت الحملة الفرنسية عام 1830م، وتحولت إلى استعمار دموي استمر 132 عاماً، تخللته مجازر مروعة، ومحاولات ممنهجة لمحو اللغة والثقافة الإسلامية والعربية، فيما يعرف بسياسة "الفرنسة"، وقد خلّف هذا الاحتلال أكثر من مليون شهيد، ودماراً بنيوياً عميقاً ما زالت الجزائر تعاني من تداعياته حتى اليوم.

أما النماذج المعاصرة، فأبرزها المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، والذي يمثل أحد أكثر أشكال الاستعمار الاستيطاني عنفاً وهمجيّة وإبادة في التاريخ الحديث، بدعم استعماري بريطاني ثم أمريكي، تمت مصادرة الأرض وتهجير الشعب الفلسطيني، وبناء نظام فصل عنصري، واستهداف منظم للهوية الفلسطينية.

ولا تقل تجربة الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م خطورة، حيث تم إسقاط الدولة المركزية وتفكيك مؤسساتها، وفتح البلاد أمام صراعات أهلية وإقليمية، كل ذلك تحت ذريعة نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، فيما كانت النتيجة فوضى مدمرة وملايين القتلى والنازحين!

إن الفرق الجوهري بين الفتح الإسلامي والاستعمار الغربي لا يكمن في الأداة وحدها، بل في الرؤية الحضارية والفلسفة الكامنة وراء كل منهما.

 الفتح الإسلامي كان مشروعاً يستبطن دعوة إنسانية شاملة ومبنية على قيم التوحيد والعدل والكرامة، بينما الاستعمار الغربي كان مشروعاً مادياً نفعيا عدمياً ينطلق من رؤية استعلائية ترى في الإنسان الآخر مادة للسيطرة لا شريكاً في الحياة والوجود!

ويؤكد التاريخ أن الشعوب التي فُتحت في ظل الإسلام أصبحت جزءاً فاعلاً من الحضارة الإسلامية، وشاركت في نهضتها، بينما خرجت الشعوب التي خضعت للاستعمار الغربي ممزقة الهوية ومُنهكة ومقسّمة، ومثقلةٌ بإرث من التبعية والاستلاب.

 وكما أشار "ابن خلدون"، فإن الحضارات التي تفقد مبررها الأخلاقي للحضور تنهار، ولو امتلكت أسباب القوة المادية، وهذا ما يجعل النموذج الإسلامي أقدر على البقاء في الذاكرة الإنسانية بوصفه دعوة عمرانية، لا مجرد توسع جغرافي وإمبراطوري.



يبقى الفرق بين الفتح والاستعمار، كما قال "مالك بن نبي"، هو أن الأول يحمل "قيمة"، بينما الثاني يحمل "سلعة"، وإذا كان التاريخ قد طوى الكثير من صفحاته، فإن الوعي المعاصر بحاجة إلى إعادة قراءة المفاهيم بعيداً عن التحريف الاستشرافي الذي خلط بين الفتح والاستعمار، ووضع الضحية والجلاد في موقع واحد.

إن إعادة قراءة الفتح والاستعمار بمنظور تحليلي نقدي ليست مجرد نقاش تاريخي، بل ضرورة لفهم التطورات الجيوسياسية الجارية في النظام العالمي اليوم، فالكثير من المشاريع الغربية المعاصرة ما تزال تحمل منطق الاستعمار ذاته، وإن بثياب جديدة، بينما ما يزال النموذج الإسلامي، رغم ما طرأ عليه من انحرافات، يحمل طاقة أخلاقية قادرة على إلهام مشروع إنساني عالمي بديل، وهنا، تتجلى أهمية التفريق بين فتحٍ يُقيم الحضارة.. واستعمارٌ يطمسها.

 

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق