منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة في 7 أكتوبر/تشرين أوّل 2023، وما تبعها من دمار شامل وحصار خانق واستهداف للمدنيين والمراكز الصحية والتعليمية؛ ثم الإبادة الجماعية، دأبت الولايات المتحدة على تقديم نفسها بوصفها "وسيطاً" في النزاع بين إسرائيل وحركة حماس، وقد كثّفت واشنطن من تحرّكاتها الدبلوماسية، فزار مسؤولوها المنطقة مراراً، وشاركت في طروحات تفاوضية متتالية، بعضها برعاية قطر ومصر. 

لكن القراءة المتأنية للواقع الميداني والسياسي، تكشف أنّ الدور الأميركي لم يكن في أي لحظة وساطة نزيهة، بل كان امتداداً وظيفياً لانحياز استراتيجي تاريخي تجاه إسرائيل، وصل إلى حدّ الشراكة الفعلية في العدوان على غزّة.

فمنذ الأيّام الأولى للحرب، لم تكتفِ واشنطن بالدعم السياسي والدبلوماسي لإسرائيل، بل وفّرت لها غطاءً شاملاً من مجلس الأمن الدولي، عبر استخدام حق النقض "الفيتو" لمنع صدور أيّ قرار يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار. وهو ما تكرّر عدّة مرات، في مواجهة مطالبات دولية واسعة لوقف المجازر اليومية بحق المدنيين.

هذا التحيّز لم يقتصر على اللغة السياسية، بل تُرجم إلى دعم عسكري ومالي غير مسبوق، جعل من الولايات المتحدة شريكاً مباشراً في العدوان، لا مجرّد حليف تقليدي.

لم يقتصر التحيّز الأميركي لإسرائيل على اللغة السياسية، بل تُرجم إلى دعم عسكري ومالي غير مسبوق

وبحسب وكالة "أسوشيتد برس" وتصريحات رسمية من وزارة الدفاع الأميركية، فإنّ الولايات المتحدة أنفقت منذ 7 أكتوبر/تشرين أوّل 2023 وحتى نهاية 2024 ما يقرب من (22) مليار دولار لدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية. من هذا المبلغ، خُصّصت (17.9) مليار دولار مساعدات عسكرية مباشرة لإسرائيل، تشمل معدات، وذخائر، ودعماً لوجستياً. إضافة إلى ذلك، تمّ صرف (4.86) مليارات دولار لدعم عمليات الجيش الأميركي في المنطقة، ومنها تأمين الملاحة في البحر الأحمر، ما يؤكّد أنّ واشنطن لم تكن "تدير الأزمة" بل تعمّقها بتوسيع دائرة النار.

وخلال هذه الفترة، نُقل أكثر من (50) ألف طن من الأسلحة إلى إسرائيل عبر مئات الرحلات الجوية والبحرية، شملت صواريخ متطوّرة لمنظومة القبّة الحديدية، وقنابل ذكية عالية الدقة، ومروحيات هجومية، ومدرعات. وهذه الترسانة، التي تُمكّن إسرائيل من توسيع هجماتها من دون توقّف، تُموّل في جزء كبير منها من أموال دافعي الضرائب الأميركيين.

واشنطن لم تكن "تدير الأزمة" بل تعمّقها بتوسيع دائرة النار

في المقابل، تنشط الإدارة الأميركية في تسويق نفسها راعيةً للمفاوضات، وتتحدّث عن "حل الدولتين" و"أفق سياسي"، من دون أيّ التزام عملي بإيقاف العدوان أو دعم الحقوق الفلسطينية المشروعة، بل إن ما يسمّى بالمفاوضات يتم ضمن شروط إسرائيلية بالكامل، وبرعاية أميركية تفتقر لأيّ حياد. فكيف يمكن لأميركا أن تكون وسيطاً بينما تمدّ أحد أطراف النزاع بكلّ أدوات القتل والدعم السياسي، وتحرم الطرف الآخر حتى من حقّه في الحماية الدولية؟

إنّ ازدواجية المعايير التي تمارسها الولايات المتحدة لا تقتصر على الحالة الفلسطينية، فخلال المفاوضات النووية مع إيران، نجد أنّ المعيار الأميركي هو أمن إسرائيل أولاً، لا الاستقرار الإقليمي ولا مبدأ عدم الانتشار النووي، فواشنطن انسحبت من الاتفاق النووي في ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى لإرضاء إسرائيل، ووضعت شروطاً للمفاوضات الجديدة تنطلق من حماية "التفوق الإسرائيلي"!

وبالمقابل، في أوكرانيا تقود جبهة دولية ضدّ ما تسميه "العدوان الروسي"، تحت شعار حماية السيادة ورفض الاحتلال، بينما تبرّر الاحتلال الإسرائيلي وتُشرعن جرائمه! هذا التناقض ليس عرضياً، بل يعكس بنية سياسية أيديولوجية تؤمن بأن أمن إسرائيل فوق القانون الدولي، وأنّ حماية التفوّق الإسرائيلي هي معيار السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.

كيف يمكن لأميركا أن تكون وسيطاً بينما تمدّ أحد أطراف النزاع بكلّ أدوات القتل والدعم السياسي، وتحرم الطرف الآخر حتى من حقّه في الحماية الدولية؟

ولعل الموقف الأميركي من المحكمة الجنائية الدولية حين طالبت بإصدار مذكرات توقيف بحقّ قادة إسرائيليين بتهم تتعلّق بجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، يكشف بوضوح موقع واشنطن، إذ هاجمت الإدارة الأميركية المحكمة، وهددّت باتخاذ إجراءات ضدّها، واعتبرت أنّ توجيه التهم لإسرائيليين "سابقة خطيرة"، في الوقت الذي تُشجّع فيه على محاكمة قادة دول أخرى!

هذا الواقع يُفضي إلى نتيجة واضحة تقول إنّ الولايات المتحدة ليست وسيطاً، بل طرفٌ رئيسيٌ في النزاع، ومن ثمّ فإنّ أيّ مفاوضات تُدار تحت إشرافها ستكون امتداداً للهيمنة الإسرائيلية، لا مدخلاً لحلٍّ عادل.

إنّ المطلوب اليوم هو إعادة النظر في مرجعية التفاوض، وفي طبيعة "الوسيط"، فبدلاً من القبول بالدور الأميركي بوصفه محتكراً للملف الفلسطيني، ينبغي الدفع باتجاه تدويل الوساطة، وإشراك أطراف دولية محايدة لا تخضع لهيمنة واشنطن، وتعتمد القانون الدولي مرجعيةً فعلية، كما يجب تعزيز الضغط الشعبي والدبلوماسي على الحكومات الغربية لوقف الدعم غير المشروط لإسرائيل، وفرض عقوبات على الجرائم التي تُرتكب في غزّة.

كذلك، لا بدّ من دعم الجهود القضائية الدولية، خاصة أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، لضمان ملاحقة المسؤولين عن الجرائم بحقّ الشعب الفلسطيني. وفي الوقت ذاته، فإنّ دعم مقاومة الفلسطينيين، بمفهومها الشامل: الشعبي، السياسي، القانوني، والحقوقي، هو واجب أخلاقي وإنساني، وهو شرط ضروري لكسر مشروع الإبادة والاستيطان الجاري.

باختصار، آن الأوان لتفكيك وهم "الوساطة الأميركية"، والتعامل مع واشنطن بوصفها شريكة في العدوان، لا حَكَماً. وإذا لم يُكسر هذا الاحتكار، فإن كلّ ما يُطرح من مبادرات تفاوضية سيبقى مجرّد أدوات لتثبيت الهزيمة، لا بوّابات للخلاص!




#ياسر_قطيشات


وهم الوساطة الأميركية

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق