تُطرح عادةً تفسيرات تقليدية لقيام إسرائيل عام
1948، تتمحور حول وعد بلفور (1917)، الهولوكوست، أو توازنات ما بعد الحرب العالمية
الثانية. غير أن هذه السرديات، على وجاهتها الجزئية، تظل قاصرة عن الإحاطة بجوهر
المسألة: لماذا كان لا بد أن تُزرع إسرائيل تحديداً في فلسطين، قلب المشرق العربي،
وعلى حساب شعبها؟
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة مغايرة تستند
إلى منظور جيوسياسي من جهة، وإلى إطار حضاري–تاريخي من جهة أخرى، بحيث تكشف أن
قيام إسرائيل لم يكن حدثاً طارئاً أو استجابة إنسانية لأزمة أوروبية، بل جزءاً من
بنية صراع ممتد بين الشرق والغرب، ومحاولة استراتيجية لإجهاض أي نهضة
عربية–إسلامية محتملة.
أولاً: الجغرافيا السياسية لفلسطين
من منظور الجيوبولتيك الكلاسيكي (ماكندر،
هاوسهوفر)، تُمثّل فلسطين عقدة استراتيجية لا نظير لها:
·
موقع يربط مصر ببلاد الشام والرافدين والأناضول.
·
إشراف مباشر على المتوسط، وقرب من قناة السويس، الممر البحري الأهم
للقرن العشرين.
·
إمكانية التحكم بخطوط التجارة والطاقة بين الخليج وأوروبا.
إن زرع كيان حليف في هذه العقدة يضمن تعطيل أي
مشروع وحدة عربية، ويمنح القوى الكبرى أداة دائمة للهيمنة على المشرق.
ثانياً: الكيان الوظيفي وأدواره
لم تكن الحركة الصهيونية قادرة وحدها على فرض
دولة، لولا التقاء مشروعها مع الاستراتيجيات الإمبراطورية الغربية، بريطانيا رعت
المشروع لتأمين قناة السويس وطريق الهند. والولايات المتحدة ورثت الرعاية بعد الحرب العالمية الثانية،
واعتبرت إسرائيل مخفراً متقدماً في الحرب الباردة.
بهذا المعنى، تشكّلت إسرائيل كـ كيان وظيفي، لا
كدولة طبيعية؛ وظيفتها الأساسية خدمة مصالح القوى المهيمنة في النظام الدولي.
ثالثاً: الاستيطان الإحلالي كطبيعة بنيوية
وفق أدبيات الاستعمار الاستيطاني، يختلف الاستيطان الإحلالي عن الاستعمار التقليدي، فهو لا يهدف إلى
استغلال الموارد فحسب، بل إلى إلغاء الشعب الأصلي وإحلال المستوطنين محله.
هذا ما يفسر:
تهجير الفلسطينيين عام 1948 (النكبة)، بناء مؤسسات دولة قبل
إعلانها، وإصرار إسرائيل على التفوق العسكري النوعي لإدامة الأمر الواقع، إسرائيل،
بهذا المنظور، ليست مجرد مشروع سياسي بل مشروع وجودي إحلالي.
رابعاً: البعد الحضاري للصراع
بعيداً عن التفسيرات الواقعية البحتة، يمكن فهم
المشروع الإسرائيلي كجزء من الصراع الحضاري التاريخي بين الشرق والغرب: منذ
الحروب الصليبية، نظر الغرب إلى المشرق العربي- الإسلامي بوصفه التهديد الأخطر
لتوازنه.
والتجربة التاريخية للخلافة الإسلامية، التي
امتدت من الأندلس حتى حدود الصين، رسّخت في الوعي الغربي خوفاً من عودة العرب
والمسلمين كقوة عالمية، فامتلاك العرب لموقع جغرافي محوري وثروات طاقة هائلة،
يجعلهم مرشحين لإعادة بناء مشروع عالمي، إذا ما تحققت الوحدة والنهضة.
من هنا، كان زرع إسرائيل في قلب المشرق بمثابة
إجراء استباقي لكبح أي مشروع عربي–إسلامي قد يُعيد تشكيل النظام الدولي.
خامساً: خلل الشرعية وبنية الصراع
قيام إسرائيل على حساب شعب آخر خلق خللاً
تأسيسياً في بنية النظام الدولي؛ فالدولة لم تنشأ بتوافق محلي أو طبيعي، بل عبر
تهجير وإحلال، وبحماية خارجية، هذا ما يجعل الصراع حولها وجودياً لا مرحلياً،
وحضارياً لا سياسياً فقط.
فلسطين ليست مجرد قضية إقليمية، بل مسرح مواجهة
رمزية بين مشروع غربي-صهيوني يسعى إلى فرض الهيمنة، ومشروع عربي-إسلامي يبحث عن
استعادة الذات والدور الحضاري.
إسرائيل لم تكن نتاج مأساة أوروبية أو صدفة
تاريخية؛ بل ثمرة تقاطع مشروع استيطاني إحلالي مع استراتيجية غربية أعمق لإدامة
الهيمنة ومنع العرب والمسلمين من العودة كقوة عالمية.
ولذلك فإن الصراع ليس نزاع حدود، بل صراع شرعية ووجود وحضارة، سيظل مفتوحاً ما لم يُعالج الخلل البنيوي المتمثل في قيام دولة على حساب شعب آخر.
#ياسر_قطيشات
#ياء_بن_نون

مقال ممتاز
ردحذف