في عالم الطيران، لا يُفهم سقوط طائرة إلا بعد فتح "الصندوق الأسود" الذي يسجّل اللحظات الحرجة، ويكشف أسباب الكارثة، سواء أكانت عطلاً فنياً أم خطأ بشرياً. وبالقياس ذاته، تبدو المنظومة العربية "الرسمية" أشبه بطائرة منهارة، فقدت توازنها منذ عقود، وتهوي اليوم نحو قاع تاريخي غير مسبوق من الضعف والمهانة، بينما لا يزال الصندوق الأسود مغلقاً، أو ممنوعاً من الفتح.
يمرّ العالم العربي، منذ عقود، بحالة سقوط حر طويلة الأمد، دون محاولة جادة لفتح "الصندوق الأسود" الذي يكشف أسرار هذا الانهيار المستمر، وهذه الهشاشة المزمنة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، فـ"الصندوق الأسود العربي" تشبيه دقيق لحالة الانهيار المزمن في النظام العربي الرسمي.
فما الذي يحتويه هذا الصندوق؟ وما مكونات لحظة السقوط العربي المستمرة؟
ما نشهده اليوم في غزة من حرب إبادة وحصار وتجويع، في ظل صمت عربي شامل، ليس حدثاً طارئاً ولا مفاجئاً، إنه ذروة منحدر طويل بدأ منذ عقود، وتكثّف بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وتفاقم مع الانهيارات المتتالية في سورية وليبيا واليمن، ومع تحوّل العالم العربي إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، دون أي حضور فعلي أو مؤثر للدول العربية نفسها.
منذ انتهاء مرحلة التحرر من الاستعمار، أخفقت معظم الدول العربية في بناء مشروع وطني أو قومي جامع، وتم استبدال التنمية المستقلة والاستقرار المؤسسي بأنظمة استبدادية فردية، حكمت بالخوف لا بالشرعية، واعتمدت على الخارج أكثر من اعتمادها على شعوبها. ومع نكسة 1967، تهاوى ما تبقى من المشروع القومي، وأصبح العالم العربي يتحرك بلا بوصلة استراتيجية واضحة.
جاء احتلال العراق ليمثّل نقطة تحوّل مركزية؛ إذ لم يكن سقوط بغداد مجرد خسارة جغرافية، بل انهياراً لمركز ثقل عربي، وفتحاً لباب الهيمنة الإيرانية والأميركية
جاء احتلال العراق ليمثّل نقطة تحوّل مركزية؛ إذ لم يكن سقوط بغداد مجرد خسارة جغرافية، بل انهياراً لمركز ثقل عربي، وفتحاً لباب الهيمنة الإيرانية والأميركية على حد سواء. ثم جاءت سنوات ثورات "الربيع العربي" عام 2011، التي مثّلت لحظة أمل تاريخية، لكنها تحوّلت سريعاً إلى "شتاء سياسي" بعد انقضاض الثورات المضادة، وصعود محاور إقليمية متصارعة، أدّت إلى تعميق الانقسام وانهيار التضامن العربي.
في هذا الفراغ، تمددت القوى الإقليمية غير العربية: إسرائيل لم تعد عدواً مشتركاً بل صارت شريكاً معلناً في بعض المحاور، وإيران توسّعت في أربع عواصم عربية في ظل تراجع الردع العربي، وتركيا عززت وجودها في شمال سورية والعراق.
أما الولايات المتحدة والغرب، فاستمرّا في هندسة خريطة النفوذ عبر صفقات سلاح وقواعد عسكرية وضغوط اقتصادية وصفقات تطبيع، في ظل غياب أي وزن أو ردع عربي جماعي، وأصبحت دول "النظام العربي" أشبه بأحجار على رقعة شطرنج، تتحرك بأوامر خارجية لا بإرادة مستقلة.
تؤدي بعض الدول أدواراً وظيفية ضمن استراتيجيات الآخرين: بعضها يشتري الأمن والدعم الدولي عبر الصمت أو الشراكة، وبعضها الآخر يُوظَّف لتمرير أجندات الغرب أو التطبيع أو مواجهة إيران، والقليل فقط يحتفظ بمساحة مناورة، لكنها محدودة ومحصورة في اعتبارات داخلية.
والحقيقة المؤلمة أن المنطقة العربية تتحرك ضمن معادلات الآخرين؛ الصراعات تُدار على أراضينا، والثروات تُستنزف لخدمة أجندات لا علاقة لها بمصالح الشعوب، بينما الأمن القومي العربي والوحدة والكرامة تُترك بلا حاضنة أو دفاع.
وجاءت المأساة الإنسانية المستمرة في غزة لتكشف جوهر هذه اللحظة التاريخية القاسية؛ فالحرب المستمرة على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بكل ما تحمله من همجية وتجويع وتدمير ممنهج، تقابلها لامبالاة رسمية عربية تصل إلى حد التواطؤ. فالصمت هنا ليس مجرد عجز، بل جريمة سياسية وأخلاقية موصوفة، تجسّد عمق الانحدار وفقدان البوصلة.
أزمة الأمة العربية أعمق من مجرد فشل سياسي؛ إنها أزمة هوية وثقافة ونخبة وتعليم وإعلام، هي أزمة حضارية برمتها
إن أزمة الأمة العربية أعمق من مجرد فشل سياسي؛ إنها أزمة هوية وثقافة ونخبة وتعليم وإعلام، هي أزمة حضارية برمتها: مجتمعات همش وعيها، وقمعت أصواتها، وقطعت صلتها بالمعرفة النقدية. وبالتالي، أصبح من السهل على الأنظمة أن تهمّش القضية الفلسطينية، وتفرّغ مفاهيم التحرر وتقرير المصير والكرامة من مضمونها، حتى تحوّلت غزة نفسها من قضية جامعة، إلى ملف "محرج" أو "معقّد" أو "ثانوي" في حسابات البعض.
فتح الصندوق… أم دفنه؟
لفهم السقوط العربي، نحتاج إلى فتح هذا "الصندوق الأسود" بكل شجاعة: لتفكيك سرديات الاستسلام، نقد الأنظمة، إعادة بناء مشروع عربي مستقل، واستعادة الإرادة الشعبية، وإلا، فإن الطائرة ستبقى تهوي، وربما لن يتبقى منها ما يمكن إنقاذه.
فهل لا يزال في وسع العرب –أنظمة وشعوباً– أن يستردوا زمام المبادرة؟ أم أن الصندوق الأسود سيُدفن مع تاريخ طويل من العجز، ويُكتب على هذه الأمة أن تعيش على هوامش الجغرافيا والتاريخ، تراقب مصيرها يُرسم في عواصم الآخرين؟
#الصندوق_الأسود
#ياء_بن_نون
ياسر قطيشات
