x

تعيش البشرية اليوم لحظة فارقة تتجلّى فيها تساؤلات وجودية حول مصير الدولة الحديثة، لا بوصفها جهازاً إدارياً يخدم المجتمع، بل كيانا تحوّل إلى مرجعية "مُتألّهة" تحتكر الشرعية والمعنى والسلطة.

أمام هذا التحوّل، تتجددّ العديد من الأسئلة الفلسفية والفكرية التي بحاجة إلى نقاشاتٍ مُستفيضة وعميقة حولها: فهل الدولة، بصيغتها الحديثة، هي المصير المحتوم لتنظيم حياة البشر؟ أم أنّها مرحلة تاريخية قابلة للتجاوز؟ وهل الدولة الحديثة هي نهاية التاريخ السياسي؟ أم أنّها مرحلة ضمن مراحل تطوّر التنظيم الإنساني؟ وما مصير هذا الكيان حين يتجاوز حدوده الأخلاقية ويتحوّل إلى أداة للهيمنة الناعمة؟

لقد صنعت الحداثة مفهوماً للدولة يتجاوز الوظيفة الإدارية إلى السيطرة الشاملة على الوعي والمعيش والمرجعية. فلم تعد الدولة وسيلة، بل باتت غاية بحدِّ ذاتها، "إلهاً مدنياً" يوزّع الرزق، ويمنح الأمان، ويُعرّف الخير والشر وفق مصالحه، وتمّ بهذا استبعاد القيم الروحية والأخلاقية من مركز القرار، لصالح تقنيات السلطة والضبط.

هذا التقديس للدولة أنتج نمطاً من "العبودية المؤسسية" لا يُمارس القهر بالسلاح، بل عبر القوانين والمؤسسات والإعلام، إنه طغيان ناعم، لكنه أكثر رسوخاً وتأثيراً من الأنظمة القديمة، لأنّه لا يُدرك بسهولة. ولم تعد الدولة الحديثة، كذلك، مجرّد تنظيم أو إطار قانوني لإدارة شؤون المجتمعات، بل تحوّلت تدريجياً إلى كيان رمزي يحظى بقداسة لا تختلف كثيراً في صورتها النفسية والرمزية، عن تلك التي كانت تُمنح للكيانات المقدّسة في المجتمعات الدينية التقليدية. 

لقد شهد التاريخ السياسي الحديث "تأليهاً" تدريجياً للدولة، حتى باتت تتجاوز كونها مجرّد وسيط، لتتحوّل إلى مرجع أعلى ومصدر للسيادة والهِويّة، في سردية مركزية تشكّلت في صميم "عقل الحداثة الغربية"!

التقديس للدولة أنتج نمطاً من "العبودية المؤسسية" لا يُمارس القهر بالسلاح، بل عبر القوانين والمؤسسات والإعلام

نقصد بـ"التأليه السياسي" منح الدولة صفات الكمال والمرجعية العليا الحاكمة على البشر، بحيث تصبح فوق النقد، وتتجلّى مصدرا للحقّ والشرعية والأمن والهِويّة والدين والاعتقاد، وكلّ ما يخالفها هو خارجٌ من "رحمة" سلطتها وقوانينها!

هذا التحوّل يجد جذوره في الفلسفات السياسية الغربية الحديثة، بدءاً من توماس هوبز الذي شبّه الدولة بـ"الليفياثان"، أي الوحش العظيم الذي يُخضع الجميع، وصولاً إلى هيغل الذي رأى الدولة تجسيدا للعقل المطلق في التاريخ.

ومع صعود الحداثة والعلمانية، أُعيد توزيع هذه القداسة، لا بإلغائها، بل بإعادة تموضعها: نُزعت من السماء وأُسقطت على الأرض، لا سيما في شكل الدولة، فالدولة الحديثة لم تُلغِ المقدّس، بل أعادت إنتاجه في قالب جديد، أكثر دنيوية، لكنه لا يقلّ سطوة وتأثيراً!

وظهرت في الفلسفة السياسية الحداثية مفاهيم قريبة، مثل "العقد الاجتماعي"، و"إرادة الشعب"، و"القانون العام"، كلها تُمارس وظائف دينية ولكن بصياغات عقلانية صرفة. فقد كتب الفيلسوف جان روسو بوضوح عن فكرة "الدين المدني" الذي تخلقه الدولة لتحافظ على وحدة المجتمع واستقراره، ثم بمرور الوقت، باتت مفاهيم "الوطنية والولاء" للدولة، والاحتفال برموزها، تمثّل طقوساً مدنيّة تحمل طابعاً شعائرياً يُذكّر بالدين، بل ويحلُّ محلّه أحياناً!

الدولة الحديثة لم تُلغِ المقدّس، بل أعادت إنتاجه في قالب جديد، أكثر دنيوية، لكنه لا يقل سطوة وتأثيراً!

عندما "تتألّه" الدولة، يصبح الإنسان خادماً لها، لا العكس، وتُبرَّر السياسات القمعية والاستبدادية باسم السيادة الوطنية، وتُسحق الحريات باسم النظام، ويُنظر إلى المعارضين لا بوصفهم مواطنين ذوي رأي مختلف، بل بوصفهم خونة أو خارجين عن النظام العام. وبهذا المعنى، فإنّ "التأليه" لا يُنتج مجرّد تمجيد رمزي، بل يُترجم إلى ممارسات سلطوية تُفرّغ السياسة من بعدها الإنساني.

في العقود الأخيرة، بدأ هذا النموذج المقدّس في التصدّع، لأسباب عدّة: تصاعد العولمة والرأسمالية المتوحّشة، ضعف الدولة القومية والوطنية أمام الفاعلين الدوليين من غير الدول، فقدان الثقة بالمؤسسات، الثورة الرقمية والفوضى الخلّاقة، وأزمات الشرعية العميقة. 

ومع كلّ أزمة، يتعرّى الغطاء الرمزي للدولة، ويعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل كانت الدولة، في شكلها الحديث، مجرّد سردية مؤقتة؟ وهل آن أوان تجاوزها؟

تُبيّن حركة التاريخ أنّ الكيانات "المُتألهة" لا تُخلّد، بل تخضع لسنن كونيّة تحكم صعودها وسقوطها، ومنها؛ سُنّة الاستدراج؛ إذ تُغتر الدولة بقوتها وتتمادى في التحكّم، ثم تنهار فجأة من داخلها، وسُنّة التداول؛ فلا بقاء لقوّة أو حضارة في القمّة إلى الأبد، وسُنّة الهلاك؛ حين ترفض الدولة قيم العدل والحق، وتُمعن في الاستكبار، وسُنّة التدمير الذاتي؛ عندما تفقد الدول غايتها الأخلاقية، وتتآكل بفعل الفردية الذاتية والتحلّل والانفصام القِيمي.

إنّ تفكيك سردية الدولة "المتألّهة" لا يعني الدعوة إلى الفوضى أو نفي الحاجة إلى التنظيم السياسي، بل يهدف إلى تحرير العقل من الهالة القداسية التي تُحيط بالدولة الحديثة، والتحدي الحقيقي ليس فقط إسقاط طغيان الدولة، بل بناء نظام بديل عادل لا يُعيد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة، وهذا يتطلّب تحوّلاً في وعي المجتمعات والشعوب، وتحرّراً من خوف "ما بعد حتميّة الدولة المقدّسة".

وهذا سياق الفلسفة السياسية التي تفتح، ما بعد الحداثة، أفقاً نقدياً يُعيد الإنسان إلى مركز السلطة، لا بوصفه تابعاً، بل فاعلاً حراً، باعتبار أنّ نقد "تأليه" الدولة هو أيضاً دفاعٌ عن قيم الإنسان ووجوده.

#ياء_بن_نون

#ياسر_قطيشات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق